الداعية جنة الفردوس
السلام عليكم ورحمة الله وبركته
أهلاً ومرحاً أيها الزائر العزيز في منتدى الداعية جنة الفردوس الإيسلامي
نرجو منك أن تشرفنا بنضمامك معنا في المنتدى
اذا كنت منضم معنا فرجاءً سجل الدخول
تحيات الداعية جنة الفردوس


منتدى اسلامي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 فصل والفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبى يتخلق به العبد وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي فيحبس النفس عن التسخط واللسان

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الداعية جنة الفردوس
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 4517
جوهرة : 13406
تاريخ التسجيل : 03/01/2013

مُساهمةموضوع: فصل والفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبى يتخلق به العبد وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي فيحبس النفس عن التسخط واللسان   الأربعاء فبراير 06, 2013 2:49 pm

فصل والفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبى يتخلق به العبد وهو
حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي فيحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى والجوراح عما لا ينبغي فعله وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية وأما القسوة فيبس في القلب يمنعه من الانفعال وغلظة تمنعه من التأثير بالنوازل فلا يتأثر لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله وتحقيق هذا أن القلوب ثلاثة قلب قاس غليظ بمنزلة اليد اليابسة وقلب مائع رقيق جدا فالأول لا ينفعل بمنزلة للحجر والثاني بمنزلة الماء وكلاهما ناقص وأصح القلوب القلب الرقيق الصافي الصلب فهو يرى الحق من الباطل بصفائه وبقلبه ويؤثره برقته ويحفظه ويحارب عدوه بصلابته وفي الأثر القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها وهذا القلب الزجاجي فإن الزجاجة جمعت الأوصاف الثلاثة وابغض القلوب إلى الله القلب القاسي قال تعالى ^ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ^ وقال تعالى ^ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ^ وقال تعالى ^ ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ^ فذكر القلبين المنحرفين عن الاعتدال هذا بمرضه وهذا بقسوته وجعل إلقاء الشيطان فتنة لأصحاب هذين القلبين ورحمة لأصحاب القلب الثالث وهو القلب الصافي الذي ميز بين إلقاء الشيطان وإلقاء الملك بصفائه وقبل الحق بإخباته ورقته وحارب النفوس المبطلة بصلابته وقوته فقال تعالى عقيب ذلك وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم
فصل والفرق بين العفو والذل أن العفو إسقاط حقك جودا وكرما وإحسانا مع
قدرتك على الانتقام فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق بخلاف الذل فإن صاحبه يترك

الانتقام عجزا وخوفا ومهانة نفس فهذا مذموم غير محمود ولعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه قال تعالى ^ والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ^ فمدحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك حتى إذا قدروا على من بغى عليهم وتمكنوا من استيفاء مالهم عليه ندبهم إلى الخلق الشريف من العفو والصفح فقال ^ وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا واصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ^ فذكر المقامات الثلاثة العدل وأباحه والفضل وندب إليه والظلم وحرمه فإن قيل فكيف مدحهم على الانتصار والعفو وهما متنافيان قيل لم يمدحهم على الاستيفاء والانتقام وإنما مدحهم على الانتصار وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم فلما قدروا ندبهم إلى العفو قال بعض السلف في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا فمدحهم على عفو بعد قدرة لا على عفو ذل وعجز ومهانة وهذا هو الكمال الذي مدح سبحانه به نفسه في قوله وكان الله عفوا قديرا ^ والله غفور رحيم ^ وفي أثر معروف حملة العرش أربعة إثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ولهذا قال المسيح صلوات الله وسلامه عليه ^ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ^ أي أن غفرت لهم غفرت عن عزة وهي كمال القدرة وحكمة وهي كمال العلم فغفرت بعد أن علمت ما عملوا وأحاطت بهم قدرتك إذ المخلوق قد يغفر بعجزه عن الانتقام وجهله بحقيقة ما صدر من المسيء والعفو من المخلوق ظاهره ضيم وذل وباطنه عز ومهانة وانتقام ظاهره عز وباطنه ذل فما زاد الله بعفو إلا عزا لا انتقم أحد لنفسه إلا ذل ولو لم يكن إلا بفوات عز العفو ولهذا ما انتقم رسول الله لنفسه قط وتأمل قوله سبحانه وهم ينتصرون كيف يفهم منه أن فيهم من القوة ما يكونون هم بها المنتصرين لأنفسهم لا أن غيرهم هو الذي ينصرهم ولما كان الانتصار لا تقف النفوس فيه على حد العدل غالبا بل لا بد من المجاوزة شرع فيه سبحانه المماثلة والمساواة وحرم الزيادة وندب إلى العفو والمقصود أن العفو من أخلاق النفس المطمئنة والذل من أخلاق الإمارة ونكتة المسألة أن الانتقام شيء والانتصار شيء فالانتصار أن ينتصر لحق الله ومن أجله ولا يقوى على ذلك إلا من تخلص من ذل حظه ورق هواه فإنه حينئذ ينال حظا من العز الذي قسم الله المؤمنين فإذا بغى عليه انتصر من الباغي من أجل عز الله الذي أعزه به غيرة على ذلك العز

أن يستضام ويقهر وحمية للعبد المنسوب إلى العزيز الحميد أن يستذل فهو يقال للباغي عليه أنا مملوك من لا يذل مملوكه ولا يحب أن يذله أحد وإذا كانت نفسه الأمارة قائمة على أصولها لم تحب بعد طلبه إلا الانتقام والانتصار لحظها وظفرها بالباغي تشفيا فيه وإذلالا له وأما النفس التي خرجت من ذل حظها ورق هواها إلى عز توحيدها وإنابتها إلى ربها فإذا نالها البغي قامت بالانتصار حمية ونصرة للعز الذي أعزها الله به ونالته منه وهو في الحقيقة حمية لربها ومولاها وقد ضرب لذلك مثلا بعبدين من عبيد الغلة حراثين ضرب أحدهما صاحبه فنفا المضروب عن الضارب نصحا منه لسيده وشفقة على الضارب أني عاقبه السيد فلم يجشم سيده خلقه عقوبته وإفساده بالضرب فشكر العافي على عفوه ووقع منه بموقع وعبد آخر قد أقامه بين يديه وجمله وألبسه ثيابا يقف بها بين يديه فعمد بعض سواس الدواب وأضرابهم ولطخ تلك الثياب بالعذرة أو مزقها فلو عفا عمن فعل به ذلك لم يوافق عفوه رأى سيده ولا محبته وكان الانتصار أحب إليه ووافق لمرضاته كأنه يقول إنما فعل هذا بك جرأة علي واستخفافا بسلطاني فإذا أمكنه من عقوبته فأذله وقهره ولم يبق إلا أن يبطش به فذل وانكسر قلبه فإن سيده يحب منه أن لا يعاقبه لحظة وأن يأخذ منه حق السيد فيكون انتصاره حينئذ لمحض حق سيده لا لنفسه كما روى عن علي رضي الله أنه مر برجل فاستغاث به وقال هذا منعني حقي ولم يعطني إياه فقال أعطه حقه فلما جاوزهما لج الظالم ولطم صاحب الحق فاستغاث بعلي فرجع وقال أتاك الغوث فقال له استقدمته فقال قد عفوت يا أمير المؤمنين فضربه على تسع دور وقال قد عفا عنك من لطمته وهذا حق السلطان فعاقبه على لما اجترأ على سلطان الله ولم يدعه ويشبه هذا قصة الرجل الذي جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال احملني فوالله لا أنا أفرس منك ومن ابنك وعنده المغيرة بن شعبة فحسر عن ذراعه وصك بها أنف الرجل فسال الدم فجاء قومه إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا أقدنا من المغيرة فقال أنا أقيدكم من وزعة الله لا أقيدكم منه فرأى أبو بكر أن ذلك انتصار من المغير وحمية الله وللعز الذي أعز به خليفة رسول الله ليتمكن بذلك العز من حسن خلافته وإقامة دينه فترك قوده لاجترائه على عز الله وسلطانه الذي أعز به رسوله ودينه وخليفته فهذا لون والضرب حمية للنفس الأمارة لون
فصل والفرق بين سلامة القلب والبله والتغفل أن سلامة القلب تكون من
عدم إرادة البشر

بعد معرفته فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفته والعلم به وهذا بخلاف البله والغفلة فإنها جهل وقلة معرفة وهذا لا يحمد إذ هو نقص وإنما يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه والكمال أن يكون القلب عارفا بتفاصيل الشر سليما من إرادته قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لست بخب ولا يخدعني الخب وكان عمر أعقل من أن يخدع وأورع من أن يخدع وقال تعالى ^ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ^ فهذا هو السليم من الآفات التي تعتري القلوب المريضة من مرض الشبهة التي توجب اتباع الظن ومرض الشهوة التي توجب اتباع ما تهوى الأنفس فالقلب السليم الذي سلم من هذا وهذا
فصل والفرق بين الثقة والغرة أن الثقة سكون يستند إلى أدلة وإمارات
يسكن القلب إليها فكلما قويت تلك الإمارات قويت الثقة واستحكمت ولا سيما على كثرة التجارب وصدق الفراسة واللفظة كأنها والله اعلم من الوثاق وهو الرباط فالقلب قد ارتبط بمن وثق به يوكلا عليه وحسن ظن به فصار في وثاق محبته ومعاملته والاستناد إليه والاعتماد عليه فهو في وثاقه بقلبه وروحه وبدنه فإذا صار القلب إلى الله وانقطع إليه تقيد بحبه وصار في وثاق العبودية فلم يبق له مفزع في النوائب ولا ملجأ غيره ويصير عدته وشدته وذخيرته في نوائبه وملجأه في نوازله ومستعانه في حوائجه وضروراته وأما الغرة فهي حال المغتر الذي غرته نفسه وشيطانه وهواه وأمله الخائب الكاذب بربه حتى اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والغرور ثقتك بمن لا يوثق به وسكونك إلى من لا يسكن إليه ورجاؤك النفع من المحل الذي لا يأتي بخبر كحال المغتر بالسراب قال تعالى والذي كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عهده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وقال تعالى في وصف المغترين ^ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ^ وهؤلاء إذا انكشف الغطاء وثبتت حقائق الأمور علموا انهم لم يكونوا على شيء وبدا لهم من الله ما لم يكونا يحتسبون وفي اثر معروف إذا رأيت الله سبحانه يزيدك من نعمة وأنت مقيم عل معصيته فأحذره فإنما هو استدراج يستدرجك به وشاهد هذا في القرآن في قوله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فهم مبلسون وهذا من أعظم الغرة أن تراه يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على ما يكره فالشيطان وكل الغرور وطبع النفس الأمارة الاغترار فإذا اجتمع الرأي والبغي والرأي

المحتاج والشيطان الغرور والنفس المغترة لم يقع هناك خلاف فالشياطين غروا المغترين بالله وأطمعوهم مع إقامتهم على ما يسخط الله ويغضبه في عفوه وتجاوزه وحدوثهم بالتوبة لتسكن قلوبهم ثم دافعوهم بالتسويف حتى هجم الأجل فأخذوا على أسوأ أحوالهم وقال تعالى ^ وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور ^ وقال تعالى ^ يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ^ واعظم الناس غرورا بربه من إذا مسه الله برحمة منه وفضل قال هذا لي أي أنا أهله وجدير به ومستحق له ثم قال ^ وما أظن الساعة قائمة ^ فظن أنه أهل لما أولاه من النعم مع كفره بالله ثم زاد في غروره فقال ^ ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ^ يعني الجنة والكرامة وهكذا تكون الغرة بالله فالمغتر بالشيطان مغتر بوعوده وأمانيه وقد ساعد اغتراره بدنياه ونفسه فلا يزال كذلك حتى يتردى في آبار الهلاك
فصل والفرق بين الرجاء والتمني أن الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ
الطاقة في الإتيان بأسباب الظفر والفوز والتمني حديث النفس بحصول ذلك مع تعطيل الأسباب الموصلة إليه قال تعالى ^ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ^ فطوى سبحانه بساط الرجاء إلا عن هؤلاء وقال المغترون إن الذين ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه واتبعوا ما أسخطه وتجنبوا ما يرضيه أولئك يرجون رحمته وليس هذا ببدع من غرور النفس والشيطان لهم فالرجاء لعبد قد امتلأ قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر فمثل بين عينيه ما وعده الله تعالى من كرامته وجنته امتد القلب مائلا إلى ذلك شوقا إليه وحرصا عليه فهو شبيه بالماد عنقه إلى مطلوب قد صار نصب عينيه وعلامة الرجاء الصحيح أن الراجي يخاف فوت الجنة وذهاب حظه منها بترك ما يخاف أن يحول بينه وبين دخولها فمثله مثل رجل خطب امرأة كريمة في منصب شرف إلى أهلها فلما آن وقت العقد واجتماع الأشراف والأكابر وإتيان الرجل إلى الحضور علم عشية ذلك اليوم ليتأهب الحضور فتراه المرأة وأكابر الناس فاخذ في التأهب والتزيين والتجميل فأخذ من فضول شعره وتنظيف وتطيب ولبس أجمل ثيابه وأتى إلى تلك الدار متقيا في طريقه كل وسخ ودنس واثر يصيبه اشد تقوى حتى الغبار والدخان وما هو دون ذلك فلما وصل إلى الباب رحب به ربها ومكن له في صدر الدار على الفرش والوسائد ورمقته العيون وقصد بالكرامة من كل ناحية فلو أنه ذهب بعد أخذ

هذه الزينة فجلس في المزابل وتمرغ عليها وتمعك بها وتلطخ في بدنه وثيابه بما عليها من عذرة وقذر ودخل ذلك في شعره وبشره وثيابه فجاء على ذلك الحال إلى تلك الدار وقصد دخولها للوعد الذي سبق له لقام إليه البواب بالضرب والطرد والصياح عليه والإبعاد له من بابها وطريقها فرجع متحيزا خاسئا فالأول حال الراجي وهذا حال المتمني وإن شئت مثلت حال الرجلين بملك هو من أغير الناس وأعظمهم أمانة وأحسنهم معاملة لا يضيع لديه حق أحد وهو يعامل الناس من وراء ستر لا يراه أحد وبضائعه وأمواله وتجارته وعبيده وإماؤه ظاهر بارز في داره للعاملين فدخل عليه رجلان فكان أحدها يعامله بالصدق والأمانة والنصيحة لم يجرب عليه غشا ولا خيانة ولا مكرا فباعه بضائعه كلها واعتمد مع مماليكه وجواريه ما يجب أن يعتمد معهم فكان إذا دخل إليه ببضاعة تخير له احسن البضائع وأحبها إليه وإن صنعها بيده بذل جهده في تحسينها وتنميقها وجعل ما خفي منها أحسن مما ظهر ويستلم المؤنة ممن أمره أن يستلمها منه وامتثل ما أمره به السفير بينه وبينه في مقدار ما يعمله صفته وهيئته وشكله ورقته وسائر شئونه وكان الآخر إذا دخل دخل بأخس بضاعة يجدها لم يخلصها من الغش ولا نصح فيها ولا اعتمد في أمرها ما قاله المترجم عن الملك والسفير بينه وبين الصناع والنجار بل كان يعملها على ما يهواه ومع ذلك فكان يخون الملك داره إذ هو غائب عن عينه فلا يلوح له طمع إلا خانة ولا حرمة للملك إلا مد بصره إليها وحرص على إفسادها ولا شيء يسخط الملك إلا ارتكبه إذا قدر عليه فمضيا على ذلك مدة ثم قيل إن الملك يبرز لمعامليه حتى يحاسبهم ويعطيهم حقوقهم فوقف الرجلان بين يديه فعامل كل واحد منهما بما يستحقه فتأمل هذين المثلين فإن الواقع مطابق لهما فالراجي على الحقيقة لما صارت الجنة نصب عينه ورجاءه وأمله امتد إليها قلبه وسعى لها سعيها فإن الرجاء هو امتداد القلب وميله وحقق رجاءه كمال التأهب وخوف الفوت والأخذ بالحذر وأصله من التنحي ! ورجا البئر ناحيته وإرجاء السماء نواحيها وامتداد القلب إلى المحبوب منقطعا عما يقطعه عنه هو تنح عن النفس الأمارة وأسبابها وما تدعو إليه وهذا الامتداد والميل والخوف من شأن النفس المطمئنة فإن القلب إذا انفتحت بصيرته فرأى الآخرة وما أعد الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته خاف وخف مرتحلا إلى الله والدار الآخرة وكان قبل ذلك مطمئنا إلى النفس والنفس إلى الشهوات والدنيا فلما انكشف عنه غطاء النفس خف وارتحل عن جوارها طالبا جوار العزيز الرحيم في جنات النعيم ومن هنا صار كل خائف راجيا وكل راج خائفا فأطلق اسم أحدهما على الآخر فإن الراجي قلبه قريب الصفة من قلب الخائف هذا الراجي قد نجى ! قلبه عن مجاورة النفس والشيطان مرتحلا إلى الله قد رفع له من الجنة علم فشمر إليه وله مادا إليه قلبه كله وهذا الخائف فار منه

جوارهما ملتجئ إلى الله من حبسه في سجنهما في الدنيا فيحبس معها بعد الموت ويوم القيامة فإن المرء مع قرينه في الدنيا والآخرة فلما سمع الوعيد ارتحل من مجاورة جار السوء في الدارين فأعطى اسم الخائف ولما سمع الوعد امتد واستطار شوقا وفرحا بالظفر به فأعطى اسم الراجي وحالاه متلازمان لا ينفك عنهما فكل راج خائف من فوات ما يرجوه كما أن كل خائف راج أمنه مما يخاف فلذلك تداول الاسمان عليه قال تعالى ^ ما لكم لا ترجون لله وقارا ^ قالوا في تفسيرها لا تخافون لله عظمة وقد تقدم أن سبحانه طوى الرجاء إلا عن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا وقد فسر النبي الإيمان بأنه ذو شعب وأعمال ظاهرة وباطنة وفسر الهجرة بأنها هجر ما نهى الله عنه والجهاد بأنه جهاد النفس في ذات الله فقال المهاجرين من هجر ما نهى الله عنه والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله والمقصود بأن الله سبحانه جعل أهل الرجاء من آمن وهاجر وجاهد وأخرج من سواهم من هذه الأمم وأما الأماني فإنها رءوس أموال المفاليس أخرجوها في قالب الرجاء وتلك أمانيهم وهي تصدر من قلب تزاحمت عليه وساوس النفس فاظلم من دخانها فهو يستعمل قلبه في شهواتها وكلما فعل ذلك منته حسن العاقبة والنجاة وإحالته على العفو والمغفرة والفضل وأن الكريم لا يستوفي حقه ولا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفرة ويسمي ذلك رجاء وإنما هو وسواس وأماني باطلة تقذف بها النفس إلى القلب الجاهل فيستريح إليها قال تعالى ^ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ^ فإذا ترك العبد ولاية الحق ونصرته ترك الله ولايته ونصرته ولم يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا وإذا ترك ولايته ونصرته تولته نفسه والشيطان فصارا وليين له ووكل نفسه فصار انتصاره لها بدلا من نصرة الله ورسوله فاستبدل بولاية الله ولاية نفسه وشيطانه وبنصرته نصرة نفسه هواه فلم يدع للرجاء موضعا فإذا قالت لك النفس أنا في مقام الرجاء فطالبها بالبرهان وقل هذه أمنية فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين فالكيس يعمل أعمال البر على الطمع والرجاء والأحمق العاجز يعطل أعمال البر ويتكل على الأماني التي يسميها رجاء والله الموفق
فصل والفرق بين التحدث بنعم الله والفخر بها أن المتحدث بالنعمة مخبر
عن صفات ولها ومحض جوده وإحسانه فهو مثن عليه بإظهارها والتحدث بها شاكرا له ناشرا لجميع ما أولاه مقصود بذلك إظهار صفات الله ومدحه والثناء وبعث النفس على الطلب منه دون غيره وعلى محبته ورجائه فيكون راغبا إلى الله بإظهار نعمه ونشرها والتحدث بها

وأما الفخر بالنعم فهو أن يستطيل بها على الناس ويريهم أنه أعز منهم وأكبر فيركب أعناقهم ويستعبد قلوبهم ويستميلها إليه بالتعظيم والخدمة قال النعمان بن بشير إن للشيطان مصالي وفخوخا وإن من مصاليه وفخوخه البطش بنعم الله والكبر على عباد الله والفخر بعطية الله في غير ذات الله
فصل والفرق بين فرح القلب وفرح النفس ظاهر فإن الفرح بالله ومعرفته
ومحبته وكلامه من القلب قال تعالى ^ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ^ فإذا كان أهل الكتاب يفرحون بالوحي فأولياء الله وأتباع رسوله أحق بالفرح به وقال تعالى ^ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ^ وقال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون قال أبو سعيد الخدري فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله وقال هلال بن يساف فضل الله ورحمته الإسلام الذي هداكم إليه والقرآن الذي علمكم هو خير من الذهب والفضة الذي تجمعون وقال ابن عباس والحسن وقتادة وجمهور المفسرين فضل الله الإسلام ورحمته القرآن فهذا فرح القلب وهو من الإيمان ويثاب عليه العبد فإن فرحه به يدل على رضاه به بل هو فوق الرضا فالفرح بذلك على قدر محبته فإن الفرح إنما يكون بالظفر بالمحبوب وعلى قدر محبته يفرح بحصوله له فالفرح بالله وأسمائه وصفاته ورسوله وسنته وكلامه محض الإيمان وصفوته ولبه وله عبودية عجيبة وأثر القلب لا يعبر عنه فابتهاج القلب وسروره وفرحه بالله وأسمائه وصفاته وكلامه ورسوله ولقائه أفضل ما يعطاه بل هو جل عطاياه والفرح في الآخرة بالله ولقائه بحسب الفرح به ومحبته في الدنيا فالفرح بالوصول إلى المحبوب يكون على حسب قوة المحبة وضعفها فهذا شأن فرح القلب وله فرح آخر وهو فرحه بما من الله به عليه علمه من معاملته والإخلاص له والتوكل عليه والثقة به وخوفه ورجائه به وكلما تمكن في ذلك قوى فرحه وابتهاجه وله فرحة أخرى عظيمة الوقع عجيبة الشأن وهي الفرحة التي تحصل له بالتوبة فإن لها فرحة عجيبة لا نسبة لفرحة المعصية إليها البتة فلو علم المعاصي إن لذة التوبة وفرحتها يزيد على لذة المعصية وفرحتها أضعافا مضاعفة لبادر إليها أعظم من مبادرته إلى لذة المعصية

وسر هذا الفرح إنما يعلمه من علم سر فرح الرب تعالى بتوبة عبده أشد فرح يقدر ولقد ضرب له رسول مثلا ليس في أنواع الفرح في الدنيا أعظم منه وهو فرح رجل قد خرج براحته التي عليها طعامه وشرابه في سفر ففقدها في أرض دوية مهلكة فاجتهد في طلبها فلم يجدها فيئس منه فجلس ينتظر الموت حتى إذا طلع البدر رأي في ضوئه راحلته وقد تعلق زمامها بشجر فقال من شدة فرحه اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته فلا ينكر أن يحصل للتائب نصيب وافر من الفرح بالتوبة ولكن هاهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن لا يصل إلى ذلك إلا بعد ترحات ! ومضض ومحن لا تثبت لها الجبال فإن صبر لها ظفر بلذة الفرح وإن ضعف عن حملها ولم يصبر لها لم يظفر بشيء وآخر أمره فوات ما آثره من فرحة المعصية ولذتها فيفوته الأمران ويحصل على ضد اللذة من الألم المركب من وجود المؤذي وفوت المحبوب فالحكم لله العلي الكبير
فصل وها هنا فرحة أعظم من هذا كله وهي فرحته عند مفارقته الدنيا
إلى الله إذا أرسل إليه الملائكة فبشروه بلقائه وقال له ملك الموت أخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب ابشري بروح وريحان ورب غير غضبان اخرجي راضية مرضيا عنك يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي فلو لم يكن بين يدي التائب إلا هذه الفرحة وحدها لكان العقل يأمر بآيثارها فكيف ومن بعدها أنواع من الفرح منها الملائكة الذين بين السماء والأرض على روحه ومنه فتح أبوب السماء لها وصلاة ملائكة السماء عليها وتشييع مقربيها لها إلى السماء الثانية فتفتح ويصلي عليها أهلها وشيعها مقربوها هكذا إلى السماء السابعة فكيف يقدر فرحها استؤذن لها على ربها ووليها وحبيبها فوقفت بين يديه وأذن لها بالسجود فسجدت ثم سمعته سبحانه يقول اكتبوا كتابه في غلبين ثم يذهب به فيرى الجنة ومقعده فيها وما أعد الله له ويلقي أصحابه وأهله فيستبشرون به ويفرحون به ويفرح بهم فرح الغائب يقدم على أهله فيجدهم على أحسن حال ويقدم عليهم بخير ما قدم به مسافر هذا كله قبل الفرج الأكبر يوم حشر الأجساد بجلوسه في ظل العرش وشربه من الحوض وأخذه كتابه بيمينه وثقل ميزانه وبياض وجهه وإعطائه النور التام والناس في الظلمة وقطعه جسر جهنم بلا تعويق وانتهائه إلى باب الجنة وقد أزلفت له في لموقف وتلقي خزنتها له بالترحيب والسلام والبشارة وقدومه على منازله وقصوره وأزواجه وسراريه

وبعد ذلك فرح آخر لا يقدر قدره ولا يعبر عنه تتلاشى هذه الأفراح كلها عنده وإنما يكون هذا لأهل السنة المصدقين برؤية وجه ربهم تبارك وتعالى من فوقهم وسلامه عليهم وتكليمه إياهم ومحاضرته لهم وليست هذه الفرحات إلا % لذى الترحات في دار الرزايا فشمر ما استطعت الساق واجهد % لعلك أن تفوز بذي العطايا وصم عن لذة حشيت بلاء % الذات خلصن من البلايا ودع أمنية إن لم تنلها % تعذب أو تنل كانت منايا ولا تستبط وعدا من رسول % أتى بالحق من رب البرايا فهذا الوعد أدنى من نعيم % مضى بالأمس لو وفقت رايا
فصل والفرق بين رقة القلب والجزع أن الجزع ضعف في النفس وخوف في
القلب يمده شدة الطمع والحرص ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر وإلا فمتى علم أن المقدر كائن ولا بد كان الجزع عناء محضا ومصيبة ثانية قال تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم فمتى آمن العبد بالقدر وعلم أن المصيبة مقدرة في الحاضر والغائب لم يجزع ولم يفرح ولا ينافي هذا رقة القلب فإنها ناشئة من صفة الرحمة التي هي كمال والله سبحانه إنما يرحم من عباده الرحماء وقد كان رسول الله أرق الناس قلبا وأبعدهم من الجزع فرقة القلب رأفة ورحمة وجزعه مرض وضعف فالجزع حال قلب مريض بالدنيا قد غشيه دخان النفس الأمارة فأخذ بأنفاسه وضيق عليه مسالك الآخرة وصار في سجن الهوى والنفس وهو سجن ضيق الأرجاء مظلم المسلك فانحصار القلب وضيقه يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله فإذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد وامتلأ من محبة الله وإجلاله رق وصارت فيه الرأفة والرحمة فتراه رحيما رفيق القلب بكل ذي قربى ومسلم يرحم النملة في حجرها والطير في وكره فضلا عن بني جنسه فهذا أقرب القلوب من الله قال أنس كان رسول الله أرحم الناس بالعيال والله سبحانه إذا أراد أن يرحم عبدا أسكن في قلبه الرأفة والرحمة وإذا أراد أن يعذبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة وأبدله بهما الغلظة والقسوة وفي الحديث الثابت لا تنزع الرحمة إلا من شقي وفيه من لا يرحم لا يرحم وفيه ارحموا من في الأرض

يرحمكم من في السماء وفيه أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم عفيف متعفف ذو عيال والصديق رضي الله عنه إنما فضل الأمة بما كان في قلبه من الرحمة العامة زيادة على الصديقية ولهذا أظهر أثرها في جميع مقدماته حتى في الأسارى يوم بدر واستقر الأمر على ما أشار به وضرب له مثلا بعيسى وإبراهيم والرب تعالى هو الرءوف الرحيم وأقرب الخلق إليه وأعظمهم رأفة ورحمة كما أن أبعدهم منه من اتصف بضد صفاته وهذا باب لا يلجه إلا الأفراد في العالم
فصل والفرق بين الموجدة والحقد أن الوجد الإحساس بالمؤلم والعلم به
وتحرك النفس في رفعه فهو كمال وأما الحقد فهو إضمار الشر وتوقعه كل وقت فيمن وجدت عليه فلا يزايل القلب أثره وفرق آخر وهو أن الموجدة لما ينالك منه والحقد لما يناله منك فالموجدة وجد ما نالك من أذاه والحقد توقع وجود ما يناله من المقابلة فالموجدة سريعة الزوال والحقد بطيء الزوال والحقد يجيء مع ضيق القلب واستيلاء ظلمة النفس ودخانها عليه بخلاف الموجدة فإنها تكون مع قوته وصلابته وقوة نوره وإحساسه
فصل والفرق بين المنافسة والحسد أن المنافسة المبادرة إلى الكمال الذي
تشاهد من غيرك فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه فهي من شرف النفس وعلو الهمة وكبر القدر قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وأصلها من الشيء النفيس الذي تتعلق به النفوس طلبا ورغبة فينافس فيه كل من النفسين الأخرى وربما فرحت إذا شاركتها فيه كما كان أصحاب رسول الله يتنافسون في الخير ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه بل يحض بعضهم بعضا عليه مع تنافسهم فيه وهي نوع من المسابقة وقد قال تعالى فاستبقوا الخيرات وقال تعالى سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء وكان عمر بن الخطاب يسابق أبا بكر رضي الله عنهما فلم يظفر بسبقه أبدا فلما علم أنه قد استولى على الإمامة قال والله لا أسابقك إلى شيء أبدا وقال والله ما سبقته إلى خير إلا وجدته قد سبقني إليه والمتنافسان كعبدين بين يدي سيدهما يتباريان ويتنافسان في مرضاته ويتسابقان إلى محابه فسيدهما يعجبه ذلك منهما ويحثهما عليه وكل منهما يحب الآخر ويحرضه على مرضاة سيده

والحسد خلق نفس ذميمة وضيعه ساقطة ليس فيها حرص على الخير فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد ويفوز بها دونها وتتمنى أن لوفاته كسبها حتى يساويها في العدم كما قال تعالى ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء وقال تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فالحسود عدو النعمة متمن زوالها عن المحسود كما زالت عنه هو والمنافس مسابق النعمة متمن تمامها عليه وعلى من ينافسه فهو ينافس غيره أن يعلو عليه ويحب لحاقه به أو مجاوزته له في الفضل والحسود يحب انحطاط غيره حتى يساويه في النقصان وأكثر النفوس الفاضلة الخيرة تنتفع بالمنافسة فمن جعل نصب عينيه شخصا من أهل الفضل والسبق فنافسه انتفع به كثيرا فإنه يتشبه به ويطلب اللحاق به والتقدم عليه وهذا لا نذمه وقد يطلق اسم الحسد على المنافسة المحمودة كما في الصحيح عن النبي لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به أناء الليل وأطراف النهار ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق فهذا حسد منافسة وغبطة يدل على علو همة صاحبه وكبر نفسه وطلبها للتشبه بأهل الفضل
فصل والفرق بين حب الرياسة وحب الإمارة للدعوة إلى الله هو الفرق بين
تعظيم أمر الله والنصح له وتعظيم النفس والسعي في حظها فإن الناصح لله المعظم له المحب له يحب أن يطاع ربه فلا يعصى وأن تكون كلمته هي العليا وأن يكون الدين كله لله وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه فقد ناصح الله في عبوديته وناصح خلقه في الدعوة إلى الله فهو يحب الإمامة في الدين بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين أما ما يقتدي به المتقون كما اقتدى هو بالمتقين فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم جليلا وفي قلوبهم مهيبا وإليهم حبيبا وأن يكون فيهم مطاعا لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول على يده لم يضره ذلك بل يحمد عليه لأنه داع إلى الله يحب أن يطاع ويعبد ويوحد فهو يحب ما يكون عونا على ذلك موصلا إليه ولهذا ذكر سبحانه عباده الذين اختصهم لنفسه وأثنى عليهم في تنزيله وأحسن جزاءهم يوم لقائه فذكرهم بأحسن أعمالهم وأوصافهم ثم قال والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما فسألوه أن يقر أعينهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه وأن يسر قلوبهم باتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة فإنما سألوه وما يعانون به المتقين على مرضاته وطاعته وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في الدين التي أساسها الصبر واليقين كما قال تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا

بآياتنا يوقنون وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين هو سؤال أن يهديهم ويوفقهم ويمن عليهم بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة ظاهرا وباطنا التي لا تتم الإمامة إلى بها وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن جلا جلاله ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضل رحمته ومحض جوده ومنته وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف وهي المنازل العالية في الجنة لما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية بل من أعلى مرتبة يعطاها العبد في الدين كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة وهذا بخلاف طلب الرياسة فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض وتعبد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم فترتب على هذا المطلب من المفاسد مالا يعلمه إلا الله من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحمية للنفس دون حق الله وتعظيم من حقره الله واحتقار من أكرمه الله ولا تتم الرياسة الدنيوية إلا بذلك ولا تنال إلا به وبأضعافه من المفاسد والرؤساء في عمى عن هذا فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه ولا سيما إذا حشروا في صور الذر يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتحقيرا وتصغيرا كما صغروا أمر الله وحقروا عباده
فصل والفرق بين الحب في الله والحب مع الله وهذا من أهم الفروق
وكل أحد محتاج بل مضطر إلى الفرق بين هذا وهذا فالحب في الله هو من كمال الإيمان والحب مع الله هو عين الشرك والفرق بينهما أن المحب في الحب تابع لمحبة الله فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة ان يحب ما يحبه الله فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه كما يحب رسله وأنبياءه وملائكته وأوليائه لكونه تعالى يحبهم ويبغض من يبغضهم لكونه تعالى ببغضهم وعلامة هذا الحب والبغض في الله أنه لا ينقلب بغضه لبغيض الله حبا لإحسانه إليه وخدمته له وقضاء حوائجه ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضا إذا وصل إليه من جهته من يكرهه ويؤلمه إما خطأ وإما عمدا مطيعا لله فيه أو متأولا أو مجتهدا أو باغيا نازعا تائبا والدين كله يدور على أربع قواعد حب وبغض ويترتب عليهما فعل وترك فمن كان حبه وبغضه وفعله وتركه لله فقد استكمل الإيمان بحيث إذا أحب أحب لله وإذا أبغض أبغض لله وإذا فعل فعل لله وإذا ترك ترك لله وما نقص من أصنافه هذه الأربعة نقص من إيمانه ودينه بحسبه وهذا بخلاف الحب مع الله فهو نوعان يقدح في أصل التوحيد وهو شرك ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله ولا يخرج من الإسلام

فالأول كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم وآلهتهم مع الله كما يحبون الله فهذه محبة تأله وموالاة يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعاداهم فيه وفي مرضاته فكل من عبد شيئا من لدن عرشه إلى قرار أرضه فقد اتخذ من دون الله إلها ووليا وأشرك به كائنا ذلك المعبود ما كان ولا بد أن يتبرأ منه أحوج ما كان إليه والنوع الثاني محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث فيحبها محبة شهوة كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء فهذه المحبة ثلاثة أنواع فإن أحبها لله توصلا بها إليه واستعانة على مرضاته وطاعته أثيب عليها وكانت من قسم الحب لله توصلا بها إليه ويلتذ بالتمتع بها وهذا حاله أكمل الخلق الذي حبب إليه من الدنيا النساء والطيب وكانت محبته لهما عونا له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه بل نالها بحكم الميل الطبيعي كانت من قسم المباحات ولم يعاقب على ذلك ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه وإن كانت هي مقصودة ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه منه كان ظالما لنفسه متبعا لهواه فالأولى محبة السابقين والثانية محبة المقتصدين والثالثة محبة الظالمين فتأمل هذا الموضع وما فيه من الجمع والفرق فإنه معترك النفس الأمارة والمطمئنة والمهدي من هداه الله
فصل والفرق بين التوكل والعجز أن التوكل عمل القلب وعبوديته اعتمادا
على الله وثقة به والتجاء إليه وتفويضا إليه ورضا بما يقضيه له لعلمه بكفايته سبحانه وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور بها واجتهاده في تحصيلها فقد كان رسول الله

أعظم المتوكلين وكان يلبس لامته ودرعه بل ظاهر يوم أحد بين درعين واختفى في الغار ثلاثا فكان متوكلا في السبب لا على السبب وأما العجز فهو تعطيل الأمرين أو أحدهما فإما أن يعطل السبب عجزا منه ويزعم أن ذلك توكل ولعمر الله إنه لعجز وتفريط وإما أن يقوم بالسبب ناظرا إليه معتمدا عليه غافلا عن المسبب معرضا عنه وإن خطر بباله لم يثبت معه ذلك الخاطر ولم يعلق قلبه به تعلقا تاما بحيث يكون قلبه مع الله وبدنه مع السبب فهذا توكله عجز وعجزه توكل وهذا موضع انقسم فيه الناس طرفين ووسطا فأحد الطرفين عطل الأسباب محافظة على التوكل والثاني عطل التوكل محافظة على السبب والوسط علم أن حقيقة التوكل لا يتم إلا بالقيام بالسبب فتوكل على الله في نفس السبب وأما من عطل السبب وزعم أنه متوكل فهو مغرور مخدوع متمن كمن عطل النكاح والتسري وتوكل في حصول الولد وعطل الحرث والبذر وتوكل في حصول الزرع وعطل الأكل والشرب وتوكل في حصول الشبع والري فالتوكل نظير الرجاء والعجز نظير التمني فحقيقة التوكل أن يتخذ العبد ربه وكيلا له قد فوض إليه كما يفوض الموكل إلى وكيله للعالم بكفايته نهضته ونصحه وأمانته وخبرته وحسن اختياره والرب سبحانه قد أمر عبده بالاحتيال وتوكل له أن يستخرج له من حيلته ما يصلحه فأمره أن يحرث ويبذر ويسعى ويطلب رزقه في ضمان ذلك كما قدره سبحانه ودبره واقتضته حكمته وأمره أن لا يعلق قلبه بغيره بل يجعل رجاءه له وخوفه منه وثقته به وتوكله عليه واخبره أنه سبحانه الملي بالوكالة الوفي بالكفالة فالعاجز من رمي هذا كله وراء ظهره وقعد كسلان طالبا للراحة مؤثرا للدعة يقول الرزق يطلب صاحبه كما يطلبه أجله وسيأتيني ما قدر لي على ضعفي ولن أنال ما لم يقدر لي مع قوتي ولو أنى هربت من رزقي كما أهرب من الموت للحقني فيقال له نعم هذا كله حق وقد علمت أن الرزق مقدر فما يدريك كيف قدر لك بسعيك أم بسعي غيرك وإذا كان بسعيك فبأي سبب ومن أي وجه وإذا خفي عليك هذا كله فمن أين علمت انه يقدر لك إتيانه عفوا بلا سعي ولا كد فكم من شيء سعيت فيه فقدر لغيرك وكم من شيء سعى فيه غيرك فقدر لك رزقا فإذا رأيت هذا عيانا فكيف علمت أن رزقك كله بسعي غيرك وأيضا فهذا الذي أوردته عليك النفس يجب عليك طرده في جميع الأسباب مع مسبباتها حتى في أسباب دخول الجنة والنجاة من النار فهل تعطلها اعتمادا على التوكل أم تقوم بها مع التوكل بل لن تخلو الأرض من متوكل صبر نفسه لله وملأ قلبه من الثقة به ورجائه وحسن الظن به فضاق قلبه مع ذلك عن مباشرة بعض الأسباب فسكن قلبه إلى الله واطمأن

إليه ووثق به وكان هذا من أقوى أسباب حصول رزقه فلم يعطل السبب وإنما رغب عن سبب إلى سبب أقوى منه فكان توكله أوثق الأسباب عنده فكان اشتغال قلبه بالله وسكونه إليه وتضرعه إليه أحب إليه من اشتغاله بسبب يمنعه من ذلك أو من كماله فلم يتسع قلبه للأمرين فأعرض أحدهما إلى الآخر ولا ريب ان هذا أكمل حالا ممن امتلأ قلبه بالسبب واشتغل به عن ربه وأكمل منهما من جمع الأمرين وهي حال الرسل والصحابة فقد كان زكريا نجارا وقد أمر الله نوحا أن يصنع السفينة ولم يكن في الصحابة من يعطل السبب اعتمادا على التوكل بل كانوا أقوم الناس بالأمرين ألا ترى أنهم بذلوا جهدهم في محاربة أعداء الدين بأيديهم وألسنتهم وقاموا في ذلك بحقيقة التوكل وعمروا أموالهم وأصلحوها وأعدوا لأهليهم كفايتهم من القوت بسيد المتوكلين صلوات الله وسلامه عليه وآله
فصل والفرق بين الاحتياط والوسوسة ان الاحتياط الاستقصاء والمبالغة في
اتباع السنة وما كان عليه رسول الله وأصحابه من غير غلو ومجاوزة ولا تقصير ولا تفريط فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله وأما الوسوسة فهي ابتداع ما لم تأت به السنة ولم يفعله رسول الله ولا أحد من الصحابة زاعما أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق الثلاثة فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله وصرح بالتلفظ بنية الصلاة مرارا أو مرة واحدة ويغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته احتياطا ويرغب عن الصلاة في نعله احتياطا إلى أضعاف أضعاف هذا مما اتخذه الموسوسون دينا وزعموا أنه احتياط وقد كان الاحتياط باتباع هدى رسول الله وما كان عليه أولى بهم فإنه الاحتياط الذي من خرج عنه فقد فارق الاحتياط وعدل عن سواء الصراط والاحتياط كل الاحتياط الخروج عن خلاف السنة ولو خالفت أكثر أهل الأرض بل كلهم
فصل والفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان من وجوه منها أن ما كان
لله موافقا لمرضاته وما جاء به رسوله فهو من الملك وما كان لغيره غير موافق لمرضاته فهو من إلقاء الشيطان ومنها أن ما أثمر إقبالا على الله وإنابة إليه وذكرا له وهمة صاعدة إليه فهو من إلقاء الملك وما أثمر ضد ذلك فهو من إلقاء الشيطان ومنها أن ما أورث أنسا ونورا في القلب وانشراحا في الصدر فهو من الملك وما أورث ضد ذلك فهو من الشيطان ومنها أن ما أورث

سكينة وطمأنينة فهو من الملك وما أورث قلقا وإنزعاجا واضطرابا فهو من الشيطان فالإلهام الملكي يكثر في القلوب الطاهرة النقية التي قد استنارت بنور الله فللملك بها اتصال وبينه وبينها مناسبة فإنه طيب طاهر لا يجاور إلا قلبا يناسبه فتكون لمة الملك بهذا القلب أكثر من لمة الشيطان وأما القلب المظلم الذي قد اسود بدخان الشهوات والشبهات فإلقاء الشيطان ولمة به أكثر من لمة الملك
فصل والفرق بين الاقتصاد والتقصير أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي
الإفراط والتفريط وله طرفان هما ضدان له تقصير ومجاوزة فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين قال تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وقال تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وقال تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا والدين كله بين هذين الطرفين بل الإسلام قصد بين الملل والسنة قصد بين البدع ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافقة الأمر والغلو مجاوزته وتعديه وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان فأما إلى غلو ومجاوزة وغما إلى تفريط وتقصير وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلق رسول الله وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم وهذا أن المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير وخوفوا من بلى بأحدهما بالهلاك وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو الحال أكثر الخلق يكون مقصرا مفرطا في بعض دينه غالبا متجاوزا في بعضه والمهدي من هداه الله
فصل والفرق بين النصيحة والتأنيب أن النصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة
الرحمة له والشفقة عليه والغيرة له وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقة ومراد الناصح بها وجه الله ورضاه والإحسان إلى خلقه فيتلطف في بذلها غاية التلطف ويحتمل أذى المنصوح ولائمته ويعامله معاملة الطبيب العالم المشفق المريض المشبع ! مرضا وهو يحتمل سوء خلقه وشراسته ونفرته ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن فهذا شأن الناصح وأما المؤنب فهو رجل قصده التعبير والإهانة وذم من أنبه وشتمه في صورة النصح فهو يقول له يا فاعل كذا وكذا يا مستحقا الذم والإهانة في صورة ناصح مشفق وعلامة هذا أنه

لو رأى من يحبه ويحسن إليه على مثل عمل هذا أو شر منه لم يعرض له ولم يقل له شيئا ويطلب له وجوه المعاذير فإن غلب قال وإني ضمنت له العصمة والإنسان عرضه للخطأ ومحاسنه أكثر من مساويه والله غفور رحيم ونحو ذلك فيا عجبا كيف كان هذا المن يحبه دون من يبغضه وكيف كان ذلك منك التأنيب في صورة النصح وحظ هذا منك رجاء العفو والمغفرة وطلب وجوه المعاذير ومن الفروق بين الناصح والمؤنب أن الناصح لا يعاديك إذا لم تقبل نصيحته وقال قد وقع أجرى على الله قبلت أو لم تقبل ويدعو لك بظهر الغيب ولا يذكر عيوبك ولا يبينها في الناس والمؤنب بعد ذلك
فصل والفرق بين بالمبادرة والعجلة أن المبادرة انتهاز الفرصة في وقتها
ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها فهو لا يطلب الأمور في أدبارها ولا قبل وقتها بل إذا حضر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضلها وإدراكها والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها كلها فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين أحدهما التفريط والإضاعة والثاني الاستعجال قبل الوقت ولهذا كانت العجلة من الشيطان فإنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها وتجلب عليه أنواعا من الشرور وتمنعه أنواعا من الخير وهي قرين الندامة فقل من استعجل إلا ندم كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة
فصل والفرق بين الأخبار بالحال وبين الشكوى وإن اشتبهت صورتهما ان
الأخبار بالحال يقصد المخبر به قصدا صحيحا من علم سبب إدانته أو الاعتذار لأخيه من أمر طلبه منه أو يحذره من الوقوع في مثل ما وقع فيه فيكون ناصحا بإخباره له أو حمله على الصبر بالتأسي به كما يذكر عن الأحنف أنه شكا إليه رجل شكوى فقال يا ابن أخي لقد ذهب ضوء عيني من كذا وكذا سنة فما أعلمت به أحدا ففي ضمن هذا الأخبار من حمل الشاكي على التأسي والصبر ما يثاب عليه المخبر وصورته صورة الشكوى ولكن القصد ميز بينهما ولعل من هذا قول النبي لما قالت عائشة وارأساه فقال بل أنا وارأساه أي الوجع القوي بي

أنا دونك فتأسى بي فلا تشتكي ويلوح لي فيه معنى آخر وهو أنها كانت حبيبة رسول الله بل كانت أحب النساء إليه على الإطلاق فلما اشتكت إليه رأسها أخبرها أن بمحبها من الألم مثل الذي بها وهذا غاية الموافقة من المحب ومحبوبه يتألم بتألمه ويسر بسروره حتى إذا آلمه عضو من أعضائه آلم المحب ذلك العضو بعينه وهذا من صدق المحبة وصفاء المودة فالمعنى الأول يفهم أنك لا تشتكي واصبري فبي من الموجع مثل ما بك فتأسى بي في الصبر وعدم الشكوى والمعنى الثاني يفهم إعلامها بصدق محبته لها أي انظري قوة محبتي لك كيف واسيتك في ألمك ووجع رأسك فلم تكوني متوجعة وأنا سليم من الوجع بل يؤلمني ما يؤلمك كما يسرني ما يسرك كما قيل وإن أولى البرايا ان تواسيه % عند السرور الذي واساك في الحزن وأما الشكوى فالأخبار العاري عند القصد الصحيح بل يكون مصدره السخط وشكاية المبتلي إلى غيره فإن شكا إليه سبحانه وتعالى لم يكن ذلك شكوى بل استعطاف وتملق واسترحام له كقول أيوب ربي أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين وقول يعقوب إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وقول موسى اللهم لك الحمد وإليك المشتكي وأنت المستعان وبك المستعاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك وقول سيد ولد آدم اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eldaaia-gantelfrdous.yoo7.com
 
فصل والفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبى يتخلق به العبد وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي فيحبس النفس عن التسخط واللسان
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الداعية جنة الفردوس :: التاريخ والسيرة :: قصص الصحابة و السلف الصالح-
انتقل الى: